توحيد الخطاب السياسي
كتب جهاد الخازن يقول : الوضع الفلسطيني هو التالي: المفاوضات مع اسرائيل لن تؤدي الى قيام دولة مستقلة، والمقاومة المسلحة لن تحقق أي هدف سوى المزيد من القتل والتدمير، وقد ذاقت اسرائيل أمس من الكأس التي سقت الفلسطينيين بها.
لا مخرج من نفق اليأس سلماً أو حرباً، والقسط الأكبر من المسؤولية تتحمله الولايات المتحدة واسرائيل، في حين يتحمل الفلسطينيون بعض المسؤولية بانقسامهم «قيس ويمن»، وبالطريقة العربية المعروفة.
منذ مؤتمر انابوليس في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لم تتقدم عملية السلام خطوة واحدة، بل ربما كان تحركها في الاتجاه المضاد. وقبل القتال الأخير كانت اسرائيل زادت الحواجز في الضفة الغربية، وعرقلت وصول المواد الغذائية وغيرها من المساعدات الانسانية، ثم جاء الأسبوع الماضي وقتلت اسرائيل الأطفال والنساء قبل المسلحين، فقالت الولايات المتحدة ان من حقها الدفاع عن النفس وضغطت على الرئيس محمود عباس حتى قبل استئناف المفاوضات، فيما كانت الحكومة الأمنية الاسرائيلية تعلن انها ستواصل عملياتها العسكرية في قطاع غزة بإصرار ومواظبة.
القارئ العربي لا يحتاج الى تفاصيل مني عن آلة القتل الإسرائيلية، فقد وعدت حكومة النازيين الجدد منهم بمحرقة فلسطينية، وصور أشلاء الأطفال على التلفزيون أكثر بلاغة من أي كلمات. كل ما أزيد أن مراقبي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والخيرية العالمية، وبينها جماعات اسرائيلية وأميركية وبريطانية وأوروبية أخرى، أعلنت في بيانات مشتركة أو منفردة ان اسرائيل تعيق وصول المساعدات الإنسانية الى الفلسطينيين، بل تعرقل وصول الجرحى الى المستشفيات.
اسرائيل انسحبت من قطاع غزة عام 2005 ولم تنسحب، فهي حولته الى معسكر اعتقال نازي، وبقيت تقتل من أهله بالمفرق ما تحول الى «جملة» في الأسبوع الماضي، والنتيجة ان 80 في المئة من سكان القطاع يحتاجون الى مساعدات دولية للعيش، وان البطالة في حدود 50 في المئة، ولا أمل بشيء، ثم يطلب من الناس أن يقبلوا الحصار والتجويع والقتل، في وضع انساني هو الأسوأ منذ 40 سنة.
نحن نعيش في عالم متوحش (ونُسهم في وحشيته عبر القاعدة وكل ارهاب مماثل). فيقتل الفلسطينيون وتمنع الولايات المتحدة اجتماعاً لمجلس الأمن يبحث في مأساتهم، وهو لو اجتمع لاستخدمت الفيتو مرة أخرى لحماية اسرائيل، ثم تضغط الولايات المتحدة على الشرق والغرب، وتجمع مجلس الأمن لإصدار قرار بفرض عقوبات للمرة الثالثة على ايران.
في اليوم الذي كانت اسرائيل تقتل الأطفال والنساء، كان مجلس الأمن الدولي لا يجتمع ليعاقبها، بل يعاقب ايران على نيات مستقبلية. هذه هي العدالة على الطريقة الأميركية والديموقراطية الموعودة وحقوق الإنسان، شرط ألا يكون المستفيد عربياً أو مسلماً.
لا تهمني ايران في شيء، وانما أسجل الحقيقة كما أراها، وقد قلت في هذه الزاوية، وعبر التلفزيون، أنني مع الإمارات العربية المتحدة ضد ايران، في مسألة الجزر الثلاث، ومع ايران ضد الولايات المتحدة واسرائيل، ومع الولايات المتحدة ضد القاعدة.
ماذا يفعل العرب والمسلمون في عالم يزداد توحشاً سياسياً كلما ازداد تقدماً تكنولوجياً، أو ماذا يفعل الفلسطينيون تحديداً؟
نعرف كلنا مسؤولية اسرائيل عن الاحتلال والقتل بأسلحة أميركية، ونعرف كلنا المسؤولية الأميركية في دعم الاحتلال بالمال والسلاح والفيتو في مجلس الأمن، غير أن أي حديث عن انهيار الوضع الفلسطيني لا يكتمل من دون ادراج المسؤولية الفلسطينية والعربية والإسلامية، قبل أن نصل الى أميركا واسرائيل.
الفلسطينيون يعانون من أزمة قيادة، أزمة قيادة السلطة، وأزمة الحزب القائد، وأيضاً من أزمة أولويات، وحتى من أزمة أخلاق وضمير. واذا زدنا على هذا تجاذبات عربية – عربية واقليمية ودولية، وفتور الحماسة العربية، نجد ان حديث الدولة تراجع، وان الناس تبحث عن بدائل، وتركز على مساعدات انسانية لرفع المعاناة عن شعب تحت الاحتلال.
الفلسطينيون لن يختبئوا وراء أصبعهم، فالمناعة الوطنية ضربت منذ انفصال حماس في غزة، وهم كانوا ضعفاء ازاء أميركا واسرائيل وازدادوا ضعفاً، واذا بقوا على خلافهم الداخلي فعلى قضيتهم السلام لجيل أو جيلين مقبلين.
الفلسطينيون اليوم في حاجة الى قيادة توحدهم وتكون قادرة على تخطي الانهيار الراهن بحل مشكلة الانفصال ثم توحيد الخطاب السياسي وربطه مع المبادرة العربية. وما عدا ذلك اضغاث أحلام، أو كوابيس.
كتبها حرفوش مدني في 09:06 صباحاً ::
الاسم: حرفوش مدني
