هكذا ضاعت أموال زكاة الجزائريين
تعود ''الجزائر نيوز'' في هذا التحقيق إلى خلفيات الجدل حول أموال الزكاة بين الوزير غلام الله ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى بوعمران الشيخ، وحققت في الأساليب والطرق التي ضاعت بها أموال الزكاة، وعادت أيضا إلى المواجهة التي نشبت بين السلفيين والوزير حول شرعية صندوق الزكاة·
تحقيق: عبد اللطيف بلقايم
في صائفة 2002 وبالضبط في شهر جويلية، اتصل الوزير بوعبد الله غلام الله بعدد من الأساتذة في الاقتصاد بجامعة البليدة وأساتذة يدرسون العلوم الشرعية وكذا أكاديميين وخبراء أحدهم من الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل بعث مشروع صندوق الزكاة الذي كان مقترحا كمشروع قانون لم ير النور في عهد الوزير سعيد شيبان، يعلق عليها محمد عيسى مدير التوجيه الديني والتعليم القرآني في الوزارة، بالقول: ''في تلك الفترة لم يعرف المشروع سبيلا له وكأن جهة ما كانت تعارضه وترفضه''.
وكانت المبادرة التي نفض من فوقها غلام الله الغبار تدعو المختصين والخبراء إلى وضع تصور لهيكل تنظيمي ذو طابع شعبوي يـُعني بتنظيم وتسيير أموال الزكاة، وكان ذلك من خلال عدة ورشات خلصت في النهاية إلى تأسيس عدة محطات نظرية تحتاج إلى متابعة ميدانية وتجسيدية.
لكن ما كان يحول ومشروع غلام الله، حسب أحد أبرز ''المنظرين'' للصندوق، وهو محمد عيسى، أن التشريع الجزائري آنذاك لم يكن يحمل في طياته قانونا يسمح بإنشاء صندوق للزكاة، ''وهو ما دفع بالوزير إلى التفطن لأحد المراسيم التنفيذية التي تنظم المساجد التي كان يسمح لها بجمع مال الزكاة'' لتكون هذه الأرضية فيما بعد منطلقا كاملا لإعادة طرح الفكرة على الحكومة التي لم تر من داع لاحقا إلى رفض مبادرة الوزير غلام الله.
بعد المرحلة النظرية التي اجتمع من أجلها الخبراء الجزائريون، لم يتحقق للوزير غلام الله شيء وهو الذي كان قد طلب التفكير في هيكل تنظيمي للزكاة، وفي هذا الباب يقول الأستاذ أبو عبد الباسط فارس مسدور، وهو أبرز أعضاء خلية التفكير في الصندوق، إن الوزير قال له: ''سلمتموني تقارير ورشاتكم وتركتم الهيكل بدون روح''، حيث فهم كلام غلام الله على أنه مصر أكثـر من أي وقت مضى على أن يجعل الزكاة عند الجزائريين تقفز عن العادة المتعارف عليها عبر التاريخ، وهي أن يزكي المزكي ماله بينه وبين ربه لأي فقير أو مسكين أو إبن سبيل يعرفه مثلما تنص عليه القوانين الاجتماعية والدينية المتوارثة.
ويقول الأستاذ مسدور إنه كلف بوضع خطة إعلامية لحمل الجزائريين على التعاطي مع الفكرة الجديدة، حيث اختيرت ولايتي سيدي بلعباس في الغرب وعنابة في الشرق كولايتين نموذجيتين لتجريب مدى قبول الناس لإيداع زكاتهم في صندوق تشرف عليه سلطات عمومية بوساطات مدنية تتمثل في لجان قاعدية وولائية تقوم بتحصيل وجمع وتوزيع الزكاة على أن يكون الأساس معرفة المزكي للذي يأتمنه على ماله، حيث تجري العملية في وسط محلي بحت حيث يعرف الجميع بعضه بعضا وتحت أعين الإمام الذي يصلون من خلفه جميعا.
المفاجأة كانت كبيرة وسارة، بقد نجحت الفكرة وأصبحت الملايير التي تذهب سرا إلى أصحابها الفقراء والمساكين، أضحت الآن توزع علنا بعدما انفردت وزارة الشؤون الدينية بالعملية من خلال إشرافها على زكاة الجزائريين لتصبح الآمرة والناهية عن طريق وساطئها (اللجان القاعدية والولائية) ولو أن أهل الوزارة يرفضون أن يقال بأن صندوق الزكاة عملية مركزية، وهو ما يتناقض مع إنشائها لنيابة مديرية تابعة للوزارة، بل أكثـر من ذلك فالزكاة يشرف عليها أحد ''أباطرة'' الوزارة المنبوذ عند كثيرين ومحبوب لدى آخرين وهو بلقاسم بوخرواطة الذي يدير كل من الحج والعمرة والأوقاف والزكاة.
لما عرفت المبادرة إقبالا وشهرة، قرر الوزير غلام الله أن يفاتح من معه برغبته في استثمار أموال الزكاة وتخصيص ما يفوق الخمسة ملايير في ولاية واحدة، من أجل تمويل مشاريع مؤسسات صغيرة عن طريق قروض حسنة قابلة للاسترجاع بالدفع التدريجي بدون فائدة.
وهنا اصطدم الوزير -حسب الأستاذ مسدور- برأيين، فرأي يقول بمنح القرض دون استرجاعه لأنه مال زكاة وآخر يقول بضرورة استرجاع لأن الزكاة تكون في قيمة الخمسة ملايير سنتيم المحصلة والموجهة للاستهلاك بعد النجاح، وولوع غلام الله بفكرة الاستثمار، لم يكن يخف هذا الأخير أي رغبة طيلة الفترة التي استغرقت تجريب الصندوق في عنابة وسيدي بلعباس، فحواها أن يتم تعميم العملية عبر كامل تراب البلاد، وهو فعلا ما تحقق، لكن هل عرفت مسألة التعميم نفس النجاح الذي عرفته في ولايتي سيدي بلعباس وعنابة؟
لم يحسب الوزير في حساباته أن يحدث تباينا كبيرا بين الولايات في تحصيل الزكاة بعد التعميم، إذ تسبب الجزائريون في العديد من مناطق الوطن لغلام الله في قلق وريبة انتاباه طيلة الشهور الأولى، إذ عرفت العملية نجاحا في ولايات على حساب أخرى ومنها من حصدت صفرا بسبب الغرابة التي كانت تبدو على المشروع بالنسبة لهم، إذ لم يهضموا كيف بإمكان وزارة تعنى بشؤون الدين أن تحوّل الزكاة وبعض من الهبات والصدقات التي تنص الأحاديث النبوية الشريفة بأن أجرها أعظم إذا فعلت بالسر والكتمان لتكون خالصة لوجه الله وحده، لتتحوّل إلى جعلها تحت وصاية في علنية جماهيرية يعرف في كثير من الأحيان المزكون، وكذا الآخذون رغم ما في العملية بالنسبة للآخذين من تحرج خاصة وأن الجزائريين في عدة مناطق داخلية وجنوبية من الوطن تحكمهم المحافظة.
لم يضع هذا الأمر بالحسبان أحد من الوزير ومحيطه بل أكثر من ذلك، يقول فارس مسدور إن الوزارة باشرت تحقيقات لمعرفة أسباب تعطل المشروع في عديد الولايات خاصة الجنوبية منها وعلى رأسها النعامة وتندوف.
السلفية والوزير وجها لوجه
التحقيقات كشفت أن العملية كانت تواجه معارضة شديدة من داخل بيت بوعبد الله غلام الله، كيف ومن وممن؟ من طرف العديد من الأئمة ذوي الفكر السلفي، ومن طرف جماعات متعصبة تؤثر في الأئمة، كما كشفت التحقيقات أيضا أن بعض المدراء الولائيين للشؤون الدينية لم يأخذوا بمحمل الجد مبادرة الوزارة، وكان من بينهم من تهاونوا في جمع الزكاة، وتذكر المصادر أن هؤلاء لم يتركزوا في مناطق داخلية أو منعزلة في الجنوب، لم تلحقها ريح التجديد بل في قلب العاصمة بقرب من الوزارة ومن داخل الولاية التي تعد من الولايات الرائدة لجمع الزكاة عبر الصندوق، إذ تؤكد مصادر ''الجزائر نيوز'' أن رواد المساجد في ولاية الجزائر ومن كانوا بارزين في الدعوة عارضوا فكرة غلام الله، ليصطدم وجها لوجه مع الفكر السلفي.
القلق سرعان ما بدأ يتبدد عند الوصاية، إذ كانت تغطي جموع المستجيبين على الممتنعين والمعارضين، لكن غلام الله لم يشأ ترك الأمر دون تسجيل تفوقه على السلفيين في هذا الباب، حيث نظم ندوة وطنية حضرها فقهاء وعارفون تحت عنوان ''استثمار أموال الزكاة.. حوار بين الفقيه والاقتصادي''· وكانت الندوة ضربة موجعة للسلفيين، خاصة وأن الندوة رافقتها تغطية إعلامية هامة على خلفية جدة الموضوع، حيث تمت مناقشة فكرة صندوق الزكاة اقتصاديا وحتى اجتماعيا بشكل غير رسمي وجرى ذلك في نهاية 2004 إلى ,2005 وتقول مصادر حضرت الندوة إن العديد من الأئمة والمعارضين لصندوق الزكاة خرجوا مقتنعين وحتى السلفيين منهم من تراجع عن موقفه من الصندوق.
الأساس الديني لصندوق الزكاة حسب الوزارة
رد أبو عبد الباسط فارس بقوة على السلفيين والمعارضين لفكرة صندوق الزكاة، حيث جمع في بحثه العديد من أقوال العلماء والسلف ممن أجازوا جمع أموال المسلمين في صندوق زكاة يوزع من ماله عن طريق مشرفين، واتهم في رده من قال فيهم بأنهم ''تعلموا من السياسيين رفع شعار الغاية تبرر الوسيلة ويضربون تحت الحزام وهم أقطاب فكر إسلامي لا يتوانون في استخدام صندوق الزكاة استخداما رخيصا بغية الظفر بكرسي ديني''.
ويذكر البحث أن الدكتور علاء الدين زعتري قام ببحث هام حول أموال الزكاة وأجاز استثمارها (رسالة المسجد)·
جواز توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ربح بلا تمليك فردي للمستحق
وهو القول الذي أيده عدد من علماء العصر، يقول مسدور فارس، منهم الدكتور محمد عبد اللطيف فرفور، الدكتور حسن عبد الله الأمين، الدكتور عبد العزيز الخياط، الدكتور عبد الستار أبو غدة، الشيخ عبد السلام العبادي، الشيخ مصطفى الزرقا، الشيخ محمد عبده عمر، والشيخ أحمد أزهر بشير، وذلك عن طريق نصوص شرعية واجتهادات فقهية وأدلة إشارية، منها أنه ثبت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه استثمروا إبل الصدقات وغنمها وأنعامها وأنفق ذلك على الفقراء (مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد 1 ,3 / 371)، كما ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان قد اقترض لنفسه، فلما حل الأجل اشترى من إبل الصدقة بعيرا ممن استحقه أو اقترضه من آخر أو من مال الصدقة ليوفيه بعد ذلك، فتح الباري 5 / .85
أما من الاجتهادات التي جمعها الأستاذ فارس مسدور، فقد توسع الفقهاء في باب ''في سبيل الله'' بحيث شمل كل قربة إلى الله تعالى كبناء المستشفيات والمدارس والملاجئ وغيرها، فيجوز توظيف أموال الزكاة في مثل هذه المشاريع، وأجاز فقهاء الحنفية -حسب نفس البحث- تأجيل دفع الزكاة ولو بلا عذر كما أجازها جمهور الفقهاء بعذر ويعد -حسبهم- اختيار مصلحة الفقراء والمحتاجين عذرا.
أما من الأدلة الإشارية يقول الدكتور حسن عبد الله الأمين (قد يكون من المناسب ذكر هذه القصة التي جاء فيها رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال: أما في بيتك شيء..) سنن أبي دواود الحديث رقم ,1641 وفي ضوء هذا التوجيه والإرشاد الديني للنبي (صلى الله عليه وسلم) يمكن من باب أولى الاستئناس له، يقول عبد الله الأمين. ويستدل العلامة الشيخ مصطفى الزرقا ـ حسب نفس البحث ـ بمسألة الاتجار بمال اليتامى، إذ قال: ''وليس مال الزكاة بأشد حرمة من مال القاصر اليتيم ولاسيما اليتيم الفقير، فإن الفهاء متفقون على أن لوصي اليتيم أن يتاجر بأمواله ويستثمرها لتنميتها حتى لا تأكلها النفقة''.
لماذا إذن ثار بوعمران الشيخ؟!
يقول مصدر رسمي من خلية تفكير صندوق الزكاة إن الشيخ بوعمران رئيس المجلس الإسلامي الأعلى احتمى بموقف شيخ الزاوية، عبد القادر عثماني، الذي عارض الفكرة ولم تكن في موقف شيخ الزاوية العثمانية، حسب نفس المصدر، نية علمية بل مصلحية، إذ يؤكد المصدر أن أموال الزكاة كان يستأثر بها شيوخ الزوايا وتصب في حجورهم ويفعلون بها ما يشاؤون بعد صرف أجزاء منها للفقراء والمساكين، ويضيف المصدر أن عبد القادر عثماني هو عضو المجلس العلمي للمجلس الإسلامي الأعلى· ولقد كان انشاء صندوق الزكاة ضربة موجعة للزاويا حيث صاحب ذلك سحب البساط من تحت أرجل الزوايا في الزكاة واسترجع غلام الله عن طريق أسلوب ممركز لتسييرها بطريقة غير مباشرة (مديرية الشؤون الدينية)، لكن بوعمران الشيخ الذي أدار جدلا أقلق الوزير غلام الله، وحتى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، حسب مصادر إعلامية نشرت المعلومة، تمسك بمبدأ لا اجتهاد مع نص وأموال الزكاة للفقراء والمساكين وليس للاستثمار، كما استعمل بوعمران الشيخ الذي يحظى باحترام وتقدير واسعين حتى من طرف خصومه في وزارة الشؤون الدينية بسبب مسألة الزكاة، استمسك أيضا بالظرف الذي أقلق الوزارة من جهة أخرى، وانفعل الوزير غلام الله حينما قال بأن بوعمران الشيخ ليس مفتيا وهي العبارة التي ردها عليه بوعمران الشيخ وقال إنه ليس مفتيا أيضا، وذهب هذا الأخير إلى غاية تفسير قلق وزير الشؤون الدينية لتصريحات بوعمران بما أثير حول التنظيم السيء لموسم الحج الذي دفع بالحكومة إلى فتح تحقيق فيه، وهو ما فهم من طرف الوزير على أنها حملة تستهدف قطاعه خاصة مع ما أثير قبلها عن الأئمة وأخطائهم الاجتماعية.
هكذا تضيع أموال الجزائريين المزكاة
يقول محمد عيسى، مدير التوجيه الديني والتعليم القرآني، بأنه يرفض أن يقال بأن هناك ضياع لمال الزكاة بل يستبدلها بعبارة ''صعوبة في استرجاع أموال القروض الحسنة''·
هذه الصعوبة لها عدة أوجه، حيث تضيع أموال الزكاة بعدة طرق، فلقد حدث ذلك بعدما تم تسجيل العديد من عمليات السطو على الصناديق الموجودة داخل المساجد التي تصب فيها أموال المحسنين بصفة يومية ومنها ما يصب فيها أموال الزكاة، ومن الأئمة من يغفل عن إفراغ الصناديق يوميا بسبب النسيان أو الإهمال، حيث يرجئ بعضهم صبّ المال في الحساب الجاري للصندوق.
وتضيع الأموال أيضا عندما يتم الاتفاق المسبق بين المستفيدين من مال الزكاة ومورديهم حيث لا يتم منح مال الزكاة نقدا أو عبر صك بنكي أو بريدي لصاحبها مباشرة، إذ تخص الأموال تجهيز المشروع الذي يتكفل به الممول بعدما يحصل على الأموال من المشرفين على الصندوق يعقبها بعد ذلك امتناع المستفيد من تجهيز مشروعه وتفضيل قبض المال نقدا من مورده، فيتم تحويل الأموال المقبوضة لغير وجهتها الطبيعية، فتفشل المشاريع ويعجز الاستثمار، فيضطر صندوق الزكاة إما إلى إعطاء قروض تدعيمية إضافية للمشروع الفاشل وإما بمتابعات قضائية لاسترجاع المال. ومن بين أساليب ضياع المال من صناديق الزكاة، هو الرفض المعلن من طرف المستفيدين لإرجاعه رغم انعدام الفائدة، وتبريرهم في ذلك هو أن الأموال التي منحت لهم هي أموال الشعب المزكاة غير قابلة للإرجاع وأصحابها لم يقصدوا الاستثمار فيها.
كتبها حرفوش مدني في 11:33 صباحاً ::
الاسم: حرفوش مدني
