أعطني الحقيقة ... لا أريد رغيف خبز ملطخ بخطايا الدعارة

تحت رعاية : شركة سافكار للحاج شراقي الزوبير و أولاده<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

                   مطعم باشا

                   شركة ستيفيس للكتاب للسيد بلوش نصير

                   مكتبة نوميديا للدراسات و البحوث الجامعية للكاتب حرفوش مدني

                   مركز ابن رشد لتربية و تعليم الأطفال

                   مركز ابن خلدون للإعلام الآلي و البحث بالأنترنيت

                   شركة إنتاج الدقيق للحاج شراقي محمد المسعود و أولاده

                   شركة الأعلاف للحاج شراقي محمد شريف و أولاده

                   مؤسسة الوراقة العامة للسيد بلة عبد الكريم

      

العلم ليس ملكا لأحد


موقع يهتم بالقضايا السياسية و الفكرية و الأكاديمية ، يناقش المسائل تحت شعار العلم ليس ملكا لأحد ... أبوابه مفتوحة لكل الباحثين و المفكرين و السياسييين .
الثلاثاء,شباط 26, 2008


قصة عائلة نجت من الجيا والزلزال وسقطت بين مخالب الخوارج الجدد

   

 

   

لم يندمل جرح عائلة حمداش حتى ازداد اتساعا تحت ضغوط الحياة التي فرضت عليها، والتي لم تمنحها إلا مكانا ضيقا تطل منه على بقايا الفرح والسعادة! فالأم نصيرة التي كانت مثالا صادقا على الصبر وتحمل المسؤولية، عمدت إلى احتضان بناتها ومعهن أخوهن الصغير «أمير»، وأُجبرت على مواصلة الحياة كما رسمها القدر، والسير فيها لبلوغ أهدافها التي كانت عبارة عن أحلام تمنى الأب تحقيقها، خاصة وأن قسوة الحياة ما تلبث توخزهم بين الفينة والأخرى!

لا أحد تصور أن العائلة التي تعرضت لهجوم انتحاري قد شهدت قبل 11 سنة تفجيرا بواسطة سيارة مفخخة راح ضحيته أحد الجيران، ليتكرر السيناريو! لكن الحصيلة هذه المرة 03 أشخاص: شرطيان ومدني يقطن بالثنية، حيث أصيبت منازلهم بالعديد من التصدعات، إلا أن المسؤولين آنذاك أبوا أن يرحّلوا، لتعرف المنطقة زلزالا عنيفا في 21 ماي 2003، والذي اهتزت له معظم البنايات، بما فيها منزل حمداش، الذي صنف ضمن الخانة البرتقالية 4، ومع ذلك اكتفى المعنيون بتقديم تعويضات بدل منحهم شاليها، على أن محاولات الأب بقيت مستمرة للانتقال من هذا المكان الذي كثرت كوارثه وأصبح يخشى على ساكنيه من أن يصابوا بمكروه خاصة في الأيام الأخيرة من حياته، إذ قالت أخته إن أخاها فقد الشهية وأصبح شغله الشاغل إيجاد حل نهائي يُبعد عنه الأرق الدائم، لتقع الجريمة التي أصابت العائلة في صباح مشؤوم، خاطفة الأب الذي كان يسجد في صلاته، ليرحل عن الحياة، تاركا ستة أيتام كما عاش هو يتيما، بعد أن استشهد والده في ثورة التحرير.

وكثرت الروايات حول كيفية وفاته وأصبح حديث العام والخاص، لكن بناته اقتنعن بشيء واحد ووحيد، أنه لم يلفظ أنفاسه الأخيرة فور سقوط الجدار عليه، بل بقيت الحياة تدب فيه لحظات بعد ذلك، وأن الابنة «وسيلة» لجأت إلى الجيران لتطلب المساعدة، غير أنها وصلت متأخرة. ولم يستطع أولاد الأخ اختراق مكان الجريمة، لأن الشرطة طوقت المكان خشية انفجار ثان محتمل.

وبين هذا وذاك، تساءلت ابنة أخ الضحية عن الإعانات التي قدمت للعائلات المتضررة من التفجير، مؤكدة أن عائلة عمها التي تعتبر أكثر تضررا، كونها فقدت فردا من العائلة ومعه المنزل الذي احترق عن آخره وانهارت جدرانه، لم تتلق أي نوع من المساعدات! واستغربت من اللجنة التي خصصها الوالي لإحصاء حجم الأضرار، والتي من المفروض أن تتابع الوضع، إلا أنها اكتفت بإحصاء المنازل المتضررة وترحيل عائلاتها إلى سكنات مؤقتة، لأن عائلة حمداش التي لجأت إلى العم ولم تأخذ معها أي شيء حتى الملابس، تعرض بيتها للاحتراق، كما إشارت المتحدثة إلى عدم وصول الإعانات إلى أصحابها، مما استدعى التساؤل عن جدية اللجنة في أداء مهامها، خاصة وأنها سارعت إلى التأكيد على ترحيلها للعائلات بعد وقوع الاعتداء.

من جهتها، اعتبرت وسيلة الابنة ذات المستوى الجامعي، أن عائلتها قد تعرضت للظلم، لأنها عبارة عن مجموعة نساء لا حول لهن ولا قوة، ولكنها أكدت استعدادها للعودة إلى منزلها المنهار في أية لحظة في حالة استمرار الوضعية على ما هي عليه، وأنها لن تستسلم للتهميش الذي جعل والدها، على حد تعبيرها، «يعيش محڤور ويموت كذلك»! أما منال فلاتزال تحت وقع الصدمة ولم تستطع التلفظ ولو بكلمة واحدة، بل أثرت الصمت ثم الصمت، عله يخفف ما يختلج في صدرها من حزن ممزوج بالكثير من الحقد على من سبب موت والدها.

 

«لن نرحل إلى سكنات بأولاد موسى»

كانت العائلة على مأساتها محظوظة بأقاربها الذين حاولوا رفع التحدي وضموا عائلة الفقيد إلى عائلاتهم، رافضين أن تنتقل نصيرة وبناتها إلى سكنات بأولاد موسى الواقعة غرب الولاية. حيث أكدوا أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي ولن يسمحوا بأن تتألم عائلة حمداش مرتين، مرة عندما أقدم الإرهابيون على التسبب في موت الأب تاركا فراغا في أسرة لا معيل لها، وأخرى عندما أرسلوها إلى أولاد موسى، لتبقى هناك لوحدها، وإن كان العم والخال قد قررا عدم انتقال نصيرة ببناتها إلى مكان لايزال مهجورا لعدم تنقل السكان إليه بعد، وفصلا في الأمر نهائيا. إلا أن الأم نصيرة تساءلت إذا ما كان طلبها حقا من حقوقها أم أنها تغالي في الطلب، لأنها لم تعمد إلى هذا إلا خشية على بناتها منال ووسيلة الجامعيتين، وسناء وهاجر اللتين تدرسان في المتوسط، وكذا سمية الكبرى، التي رفضت رفضا قاطعا أن تضطر للعيش في سكنات أولاد موسى ولو مؤقتا، مؤكدة أنهن عاجزات عن تقبل الفكرة، خاصة وأنهن لايزلن يبكين فقيدا لم يمر على وفاته أكثر من ثلاثة أيام، وامتد بهن إلى القبول بالمبيت داخل منزلهم الذي لم يبق منه إلا الأعمدة وبعض الجدران وصورة معلقة على أحدها، على الذهاب إلى أولاد موسى التي تبعد عن الثنية بحوالي 47 كلم.

لم تستطع العائلة الأكثر تضررا من التفجير الانتحاري الرحيل إلى سكنات بأولاد موسى وبقيت عند أخ الفقيد محاطة بالعائلة الكبرى التي لم تدخر جهدا إلا وبذلته لتخفيف وطأة الألم ومواساة نصيرة، التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها المسؤولة الوحيدة على 05 بنات وابن لم يتجاوز من العمر 07 سنوات، على أنها لم تكف عن التساؤل عن مقدرتها على رعاية بناتها لوحدها في منطقة لا تعرف فيها أحدا، إذ يضطر على إثر ذلك ابنها لتغيير مدرسته التي يتواجد بها أصدقاؤه ومن يعرفهم، كذلك ستضطر التلميذتان لتغيير نمط حياتهما ومتوسطتهما. أما الجامعيتان فإنهما على ألمهما، ستضطران للخروج باكرا والعودة في ساعة متأخرة لبعد المسافة عن مقر الولاية التي تتواجد بها جامعتهما، في إشارة إلى أن من كان يرافقهما للخروج والدخول ليلا، قد خطفته الموت وأن مكوثهما في أولاد موسى يعني أن الأم هي التي ستتكفل بالمهمة التي لا يقوى عليها إلا الرجال. وبين هذا وذاك تتدخل العديد من الأسباب التي تقف عائقا أمام تنقل العائلة المتضررة إلى أولاد موسى، والتي لم تطلب إلا سكنا يكون أمام خال البنات وعمهن، واللذين سيتقاسمان المسؤولية مع الأم، يخففان عنها الحمل الثقيل، إذ أكدت الأم أنها لن ترضى به إلا في منطقة الثنية أو المناطق المجاورة كتيجلابين وبومرداس، ولا يهمها أبدا أن بلدية أولاد موسى على موعد بعدة مشاريع تنموية ستجعلها تحظى بالعديد من الامتيازات، كمشروع سوق الجملة ومرور الطريق السيار بمحاذاة المساكن، لأن ما يهمها هو أن تجد بناتها السند الذي يتكئن عليه، خاصة وأنهن بحاجة إلى دعم أولاد عمهن، الذين سيعيشون قربهن كما كانوا طيلة السنوات الماضية.

 

الطفل أمير لا يصدق أن والده فارق الحياة

أصر الطفل أمير البالغ من العمر 07 سنوات على البحث عن والده، واستمر في السؤال عنه رغم المحاولات الفاشلة للعائلة لتبسيط حجم الفاجعة حتى يتقبلها عقله الصغير الذي لم يستطع أن يدرك أن والده فارق الحياة، ولم يسعه تفكيره تقبل رواية مؤلمة فصلته عن أعز الناس لديه للأبد. واستغرب من لجوء عائلته الصغيرة إلى عمه دون مرافقة والده لها، لأنه طوال ثلاثة أيام وهو يردد عبارة: «أين أبي؟ وكيف أتينا دونه عند عمي؟!».

كان مشتت الفكر وضائعا بين أقاربه الذين أحاطوه بالكثير من الحب وبذلوا جهدا كبيرا لمواساته في أب كان سنده وسراجه الذي ينير طريقه لمواجهة مستقبل مجهول مليء بالتوقعات والمفاجآت، التي تقلب حياة الأشخاص رأسا على عقب، ومع ذلك كان قلبه ينبئه بشيء أبى تصديقه، فلا تجده إلا وهو يسارع عند أمه، يؤكد لها اشتياقه الكبير لوالده، متمنيا أن تطمئنه عنه وتخبره بشيء يسر قلبه ويبعد عنه هذا الألم الذي اقتحم حياتهم فجأة، ألم الفراق الذي لم يعهده من قبل، ولم يتصور أن تمتد إليه أياد حاقدة لتسلب منه حياة عزيزة بعد بضعة أشهر فقط من دخوله المدرسة لأول مرة، فاتحا يديه لمستقبل مشرق تضحك الدنيا لضحكه وتشرق الشمس من وجهه الطفولي الجميل. غير أن قصارى الفكر والنظر أرادوا غير ذلك وحولوا صباحه الجميل إلى دمار، اختلطت فيه دموع الخزن والأسى المرفوقة بصدمة الانفجار وانهيار المنازل فوق رؤوس سكانها.

لقد كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها طفل لم يتجاوز عمره 07 سنوات، ولم يصدق أنه لن يستطيع العودة إلى منزلهم الذي عاش فيه أجمل سنوات عمره رفقة والده الذي منحه كل الحب وغمره بعطفه، فهو الابن الذكر بعد خمسة بنات كن مصدر سعادته وفخره الدائم، لكنه مع ذلك تشبث بمفاتيح سيارة والده التي احترقت مع جميع أشيائه، واحتفظ بها. وكان حدسه ينبئه أنه الشيء الوحيد الذي يبقى من ذكرى والده، ولن يتخلى عنه مهما حدث، خاصة وأن والده وعده بأن يمنحه هاتفه النقال وسيارته عندما يكبر. ودفعته براءته التي لم تسلم من بطش المجرمين، إلى أن يحلم بالكبر بمجرد الحصول على الهدية التي لن ينالها مهما حاول.

 

 




العنوان : 13 شارع أول نوفمبر 1954 قاعة مالك بن نبي    سطيف   ( الجزائر )

الهاتف : 99 / 73 / 93  036   213  - 69 / 54 / 91   036  213   - 23 / 08 / 47  0772  213

البريد الإلكتروني : algeria.numidia@yahoo.com

harfouche.madani@yahoo.com

algerianumidia@maktoob.com

الموقع : http://harfouchemadani.blogspot.com

http://harfouche-madani.nireblog.com